أنت واحد، لكن لو دعوت إلى الله عزوجل ... لو أحسنت إلى الخلق للهجت الألسن بفضلك والثناء عليك، لأن الإنسان عبد الإحسان، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، هل أنت في قلوب الناس؟ هل أنت في مشاعرهم؟ هل العيون منعقدة عليك؟ هل القلوب تميل إليك؟ إذا كنت محسنًا متواضعًا معطاءً طبعًا هذا يحدث، فلذلك سيدنا إبراهيم عليه وعلى سيدنا أفضل الصلاة والسلام تمنى أن يكون أمة، وكان كذلك، لا تكن واحدًا، لا تأت ربك فردًا، إذا كنت خيرًا معطاءً محسنًا كل هؤلاء الذين أحسنت إليهم يحبونك، ويدعون لك، وتلهج ألسنتهم بالثناء عليك، لذلك هذا معنى قوله تعالى:
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ}
بعض العلماء قال: لسان الصدق في الآخرين الثناء الحسن، وخلود المكانة، فهناك أشخاص يعملون أعمالًا عظيمة في حياتهم، والناس يثنون عليهم، ولكن تتبدل الأوضاع، فيأتي من يجعلهم مجرمين، وهناك من يخرجهم من قبورهم، الثناء الحسن والمكانة الثابتة الدائمة، هذا مما تعنيه هذه الآية، فإذا تولى اللهُ الإنسانَ بإكرامه فليس في الأرض جهة تستطيع أن تنال منه.
اذهبوا إلى قبر النبي الشريف انظروا ماذا ترك من أثر، هذا الذي كتب كتابًا سماه المئة الأوائل، والذي قرأ تاريخ عظماء الشعوب على مرّ القرون واختار من هؤلاء العظماء مئة، ولمقاييس دقيقة جعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس المئة، لماذا؟ لأن له تأثيرًا يمتد إلى أزمان طويلة، ورأى له تأثيرًا يمتد إلى مساحات شاسعة، ورأى له تأثيرًا يمتد إلى أعمق الأعماق، فجعل مقياسه في اختيار العظماء قوة التأثير، واتساع رقعة التأثير، وامتداد أمد التأثير، فكان النبي عليه الصلاة والسلام في مقدمة هؤلاء العظماء.
{وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ}