فهذه الحقيقة الصارخة تفسر في ضوئها كل الآيات التي تقول:
{لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا}
(سورة الرعد 31)
لا نقول: لم يشأ، ولكن مشيئته شاءت أن يكون الإنسان ذا مشيئة حرة، لأن هذه المشيئة الحرة تثمن عمله، لا يكون لعمله قيمة إلا إذا كان ذا مشيئة حرة، إن لم يكن ذا مشيئة كسبية فعمله لا قيمة له، لا يسعد به ولا يشقى به، لا يرقى به في الجنة ولا يهوي به في النار.
{إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ}
هذا الهدى القسري.
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ}
طريقة المشركين في مقابلة دعوة الأنبياء: الإعراض
يعني كلما جاءهم ذِكر أعرضوا عنه، والإعراض هو التكذيب، هنا معنى دقيق جدًا؛ هو أن الإنسان إذا أعرض عن الشيء فهو تكذيب حقيقي، لو فرضنا أنك أعرضت عن هذا المتكلم، وبقيت صامتًا لم تكذبه، ولم تجرحه، ولم تبين أنك غير معتقد به، فإعراضك عنه هو أحد أنواع التكذيب، بل هو أخطر أنواع التكذيب، لأنك إذا ذكرت أنك غير معتقد به كان هناك مجال للمناقشة والحوار، أما إعراضك عنه فهو دليل التكذيب العملي.
فالإنسان ربما لا يقول: ليس هناك آخرة، أو لا يجرؤ إنسان في العالم الإسلامي على أن ينكر الآخرة، ولكن ألا يعمل الإنسان للآخرة فهذا تكذيب لها، أن يكون عمله للدنيا فقط، هذا تكذيب بالآخرة .. تكذيب عملي، فالله سبحانه وتعالى يقول:
{وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ}
الله اختار، لم يقل: من الله، ولا: من الغني، ولا من: القوي، بل قال: من الرحمن، لأن هذا القرآن الكريم الذي جاءنا من الله عز وجل رحمة بنا أنزله على النبي عليه الصلاة والسلام، هذا التشريع الحكيم رحمة بنا، هذا النبي العظيم رحمة بنا، هذا الكتاب المبين رحمة بنا، إذًا: