متبصرون، متأمِّلون، مدققون، محققون، هناك أشياء تَلْمَع ولكنها خطرة، وهناك أشياء لا تلمع ولكنها مفيدة، فعبد الرحمن لا يؤخذ بالوميض، يؤخذ بالحقيقة، فكم من شيءٍ يستهوي الناس هو عند الله دمارٌ لصاحبه، وكم من شيءٍ ينفِّر الناس هو عند الله خيرٌ لصاحبه، فالبطولة أن تعرف ما ينفعك في النهاية، حينما يشرف الإنسان على الموت، وحينما يأتيه ملك الموت، وحينما ينتقل من دار الغرور إلى دار الخلود عندئذٍ يعلم المؤمنون كيف أن طاعتهم لربهم وبعدهم عن شهوات الدنيا نفعتهم أيَّما نفع.
بعض المفسرين قال:"يمشون على الأرض هونًا أي لا يفسدون في الأرض"، فمن أفسد في الأرض فهو لا يمشي هونًا، تسرَّع، أفسد علاقات الناس بعضها ببعض، أفسد أخلاق الناس بكتابٍ ألَّفَهُ، أفسد عقائد الناس بفكرٍ روَّجَهُ، أفسد شعور الشباب بقصةٍ ماجنةٍ ألَّفها، هؤلاء الذين يفسدون في أقوالهم، وفي أعمالهم، وفي كتاباتهم، وفي حركاتهم، هؤلاء لا يمشون على الأرض هونًا.
{وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا (63) }
بعضهم قال:"هم الذي لا يمشون في إفسادٍ ومعصية، لا يعصي الله ولا يفسد العلاقات"، هذا معنى هونًا، ابن عباسٍ رضي الله عنهما يقول:"يمشون هونًا أي بالطاعة والمعروف والتواضع"، علماء آخرون فسروا هذه الآية يمشون هونًا: أي إن جَهِلَ عليهم جاهلٌ لا يجهلون"، لا يستفزهم جاهل، لا يسمحون لإنسانٍ جاهل أن يستفزَّهم، هم كالجبال رسوخًا، بعضهم قال:"يشمون هونًا أي لا يتكبرون"، هذه المعاني المتفرقة، يجمعها معنىً واحد وهو: أن علمهم بالله، وخوفهم منه، ومعرفتهم بأحكامه، وخشيتهم من عذابه وعقابه كل هذه المعاني مجتمعةً تدفعهم لأن يكونوا كما وصفهم الله عزَّ وجل يمشون على الأرض هونًا."