العين وحدها التي أودع الله فيها هذه الطبقة القرنية الشفَّافة، وكيف تتغذَّى هذه الطبقة الشفَّافة؟ إنها علمٌ قائمٌ بذاته، من أودع بعد هذه القرنية ذلك الجسم البلوري المَرِن الذي يزيد احتدابه أو تقلُّصه مع بعد الشيء المرئي وقربه؟ من هذا الذي يقيس المسافة ويضغط الأهداب حتَّى تأتي الصورة على الشبكيَّة؟ يدُ من؟ يدُ الله سبحانه وتعالى.
هذا المخلوق؛ دماغٌ وأعصابٌ، أعصاب حسٍّ وحركةٍ، عينٌ تأخذ بمجامع القلوب، العصب البصري يزيد عن أربعمئة ألف عصب، الشبكيَّة فيها مئة وثلاثون مليون عُصَيَّة، سبع ملايين مخروط من أجل أن ترى الصورة بوضوحٍ شديد وبألوانها الزاهية، وليس في الأرض آلة تصويرٍ تستطيع أن تعطيكَ ألوانًا متفاوتةً كما ترى العين، إنها تستطيع أن ترى الفارق بين لونين من أصل ثمانمئة ألف درجة من لونٍ واحد، لو أن اللون الأخضر وحده دُرِّجَ إلى ثمانمئة ألف درجة فإن العين البشريَّة تفرِّق بين درجتين من درجاته.
هذا عن العين، فماذا عن الأذن؟ وماذا عن الشم؟ وماذا عن حسِّ اللمس، وحس الضغط، وحسِّ الحرارة، وحسِّ البرودة؟ كيف ينام الإنسان؟ وكيف يتقلَّب في الليلة الواحدة قريبًا من أربعين مرَّة؟ لماذا يتقلَّب؟ لماذا يتقلَب يمنةً ويسرة؟ كيف يضغط الهيكل العظمي وما فوقه من عضلات على قسمهِ السفلي؟ كيف تضيق الأوعية الدمويَّة؟ كيف أودع الله سبحانه وتعالى في الجسم مراكز للإحساس بالضغط؟ كيف تخبر هذه المراكز الدماغ بأن انضغاطًا وقع في القسم الفلاني؟ كيف يأمر الدماغ العضلات وأنت نائم بالتقلُّب؟
{وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ (18) }
(سورة الكهف)
إن هذه الآية دالَّةٌ على عظمة الله، لو أن أهل الكهف لم يُقَلَّبوا لما أمكن أن يبقوا في كهفهم ثلاثمئةٍ وزيادة.