الملائكة لو أُنْزِلَت وقالت: هذا رسول الله، أتكتفي بهذه المعجزة؟ القرآن معجزة، عندما خرجت الناقة من الجبل فهل اكتفى بها قوم صالح؟ هل آمنوا بعد رؤيتها؟ لم يؤمنوا بها، لمَّا أصبح البحر طريقًا يبسًا، هل اكتفى به بنو إسرائيل؟ لمَّا رأوا عجلًا جسدًا له خوار قالوا: هذا إلهنا، وقوم إبراهيم لما رأوا النار أصبحت بردًا وسلامًا، هل آمنوا؟ ما آمنوا، فإذا أنت لم تؤمن بالمعجزة الأساسيّة وهي الكون في وضعه الراهن لن تؤمن بخرق قوانينه، هذا الكون هو نفسه معجزة، فإذا لم تفكِّر فيه، ولم تنتقل من الكون إلى المكوَّنِ، ومن النظام إلى المنظَّم، ومن الصنعة إلى الصانع، ومن الخلق إلى الخالق، ومن التسيير إلى المُسَيِّر، إذا لم تنتقل بما هو قائمٌ بالشكل الطبيعي فلن تعرف الله بخرق القواعد، إذا لم تعرفه بالقواعد المعجزة فلن تعرفه بخرق القواعد، وهذه حقيقةٌ ثابتة.
أنت لا تطلب من الله خرق العوائد، لا تتعرَّف إلى الناس بأن تقول: يا أخي هذا وليّ، كيف عرفت أنه وليّ؟ رأيته يمشي على وجه الماء، لا، بل استمع إلى كلامه، إذا كان كلامه صحيحًا مأخوذًا عن كتاب الله، فهو إذًا معه دليل وهذه أكبر كرامة، كرامة العلم أعظم كرامة، لا تبنِ حياتك على خرق القوانين، مُعظم العوام، معظم ضعاف العقول لا ينقادون إلا بخرق القواعد، لا يعتقدون بالأشخاص إلا إذا خُرِقَت لهم العادات، لكنَّ هذا القرآن بنظمه وبيانه، بإعجازه وأحكامه، بحلاله وحرامه، بصياغته، بأخباره هو نفسه معجزة، فآمن به من دون خرقٍ للعادات:
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ (21) }
لولا، هذه حرف تحضيض أو حرف امتناعٍ لوجود:
{أَوْ نَرَى رَبَّنَا (21) }
ربنا عزَّ وجل لا يمكن أن نراه: