المعنى الثاني: آتى المال؛ آتى من المال ما يحبه، لم يطعم طعامًا فاسدًا، أو يقدِّم شيئًا باليًا، أو يقدم شيئًا سقط من عينيه، لا، آتى المال أي آتى من المال ما يحب. النبي عليه الصلاة والسلام لقي السيدة فاطمة وهي تنظِّف دينارًا، قال:"لِمَ تفعلين هذا يا بنيتي؟ قالت: لأنني أريد أن أتصدَّق به".
يعطي أفضل شيءٍ من ماله؛ أطيب طعامٍ، أجود ثيابٍ، حتى الصدقة فإنه يعطي العملة الجديدة. لدينا قاعدة اقتصادية أن العملة الجديدة تطرُد العملة الرديئة، فالإنسان أحيانًا يدفع العملة المهترئة، أما المؤمن فعلى عكس ذلك، إن أراد أن يدفع صدقةً ينتقي الشيء الجديد منها، هذا المعنى الثاني.
3 ـ آتى المال وهو يحب الإيتاء:
المعنى الثالث: آتى المال على حبه أي؛ على حب الإيتاء، هو لماذا يؤتي المال؟ لكسب مرضاة الله عزَّ وجل. إذًا آتى المال وهو يحبه، وآتى من المال ما يحب، وآتى المال وهو يحب الإيتاء، أحد الكرماء سألتْه امرأةٌ عطاءً، فأعطاها فوق ما تتمنَّى، فعاتبه بعضهم، وقال: إنه كان يرضيها القليل، وهي لا تعرف أنك كريم، فقال: إن كان يرضيها القليل فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي.
{وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ}
على حب المال، وعلى أحب شيءٍ من المال، أو على حب الإيتاء تقرُّبًا إلى الله عزَّ وجل. والمال الشيء الذي يُنتفع به، وبين قوسين [العلماء فرَّقوا بين الكسب، وبين الرزق، الرزق ما انتفعت به فقط، والكسب ما كسبته، ولم تنتفع به] أي أن القميص الذي ترتديه هو رزق، والسرير الذي تنام عليه هو رزق، وهذه الزوجة هي رزق، وهذه الصحَّة هي رزق، أما المُدَّخرات التي في اسمك، أو في حسابك، أو في صندوقك، ولم تنتفع بها، هذا كسبٌ وليس برزقٍ، لأن الكسب تحاسبُ عليه ولم تنتفع به، بينما الرزق تحاسب عليه، وقد انتفعت به.
الله عزَّ وجل جعل أولى الناس بعطائك من هم حولك من الأقارب:
أيها الأخوة ...