فهم حينما ظنّوا أن النبي لن يكون نبيًا إلا إذا كان له جنَّة، بستان، كنز، بيت فخم، معه مَلَك من طبيعة أخرى، عندئذٍ هذه المقاييس التي اختلقوها كانت حجابًا بينهم وبين هذا النبي الكريم، بل إنهم قالوا:
{وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) }
نسوا أن هذه نبوَّة، وأن هذا وحيٌ من عند الله، نسوا كل هذا وظنّوه رجلًا مسحورًا، أي يتبع السحرة، أو يُسْحَر.
{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا (9) }
كيف ضربوا لك الأمثال، هذه الاقتراحات، هذه المقاييس من عند أنفسهم لا أساس لها من الصحَّة، هذه المقاييس جعلتهم في ضلال فَضَلّوا:
{فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9) }
إلى معرفتك، سبيلًا إلى معرفة حقيقتك النبويَّة، فشيءٌ عظيمٌ جدًا أن تعرف حقيقة النبي عليه الصلاة والسلام، شيء عظيم جدًا أن تكون في المستوى الذي يليق بك كإنسان.
الله سبحانه وتعالى ما أراد الدنيا أن تكون ثوابًا لأوليائه، وما أرادها كذلك، هي أحقر من ذلك، أحقر من أن تكون ثوابًا لأوليائه، وأحقر من أن تكون عقابًا لأعدائه، ربَّما رأيت وليَّ الله فيها معذَّبًا، مُمْتَحَنًا، مُبتلىً، وربَّما رأيت الكافر الفاجر فيها مرتاحًا، لحقارتها عند الله عزَّ وجل، ولضعف شأنها عند الله عزَّ وجل، ولأنها هينةٌ على الله عزَّ وجل، ما أرادها الله أن تكون ثوابًا لأوليائه، ولا عقابًا لأعدائه، لذلك:
(( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ) ).
[سنن الترمذي عن سهل بن سعد]
قد ينظر ناظرٌ بعقله فيقول في نفسه: هو اللهُ أكرم محمَّدًا أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، فإن قال أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا: