أي لا يملكون دفع الضُرِّ عنهم، ولا يملكون جلب النفع إليهم، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد بهذا التعبير أن يبيِّن لنا: إذا كان هذا الذي تعبده من دون الله لا يملك أن يدفع الضر عن نفسه، ولا يملك أن يجلب النفع إليه، فَلأَن يكون عاجزًا عن دفع الضر عنك أو عن جلب النفع إليك فمن بابٍ أوْلى، إذا كان لا يستطيع أن يجلِبَ لنفسه النفع، ولا أن يدفع عن نفسه الضُر، أفيستطيع أن يملك النفع والضر لغيره؟ إذًا هذا الذي يُعبد من دون الله مخلوقٌ لا يملك أن يجلب النفع ولا أن يدفع الضُرَّ.
{وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) }
الله هو المحيي المميت، إذا جاء الموت أو إذا سلب الله سبحانه وتعالى من هذا الجَسَدِ الروح، أصبح هذا الجسد جيفةً، ويقولون دائمًا إكرام الميت ترحيله، فقبل أيام كان هذا الإنسان مؤنسًا، كان ملء السمع والبصر، كان يُشِيع في بيته الأنسَ والمودَّة والمحبة، لمجرد أن توقف القلب أصبح جثةً هامدة، وأصبح وجوده موحشًا، وتمنَّى أقرب الناس إليه لو يُعجَّل بدفنه، إذًا ما الذي حصل؟ ما هذا السر الذي جعله الله في الروح؟ بالروح ترى، وتسمع، وتبصر، وتفكِّر، وتحاكم، وتعتقد، وترفض، وتتخيَّل، وتتصور، وتذكر، وتمشي، وتقعد، وتتكلم، وتقنع، وقد تلقي طُرفةً، أو تلقي فكرةً، تَهُشُّ وتَبُشُّ، وتغضب، وترضى، وتشعر بالسرور، وتشعر بالضيق، فإذا ذهبت الروح من هذا الجسد أصبح جثةً هامدة لا حراك بها، إذًا:
{وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3) }
هل تستطيع البشرية جَمْعَاء أن تصنع كأسًا من الحليب من الحشيش؟ هل تستطيع البشرية جمعاء أن تصنع بيضةً؟ هل تستطيع أن تَخْلُقَ ذبابةً؟ أن تخلق بعوضةً؟ هل تستطيع أن تخلق عينًا لمن فقد عينه؟