مرة ثانية أتمنى أن يكون كلامي واضحًا: أنا لا أدعوكم لإهمال التفاصيل، لا أدعوكم لترك بعض دقائق هذا الشرع الحكيم، هذا منهج كامل، ولكن أنا أرفض أن يعتني الإنسان بالتفاصيل، ويقيم خصومةً وعداوةً بينه وبين جماعاتٍ أخرى، وينسى أصول الدين، ممكن نقيم معركة بين ماذا ينبغي أن نفعل في القعود الأخير، أن نفعل هكذا أشهد أن لا إله إلا الله، أم نفعل هكذا، أم نعمل هكذا؟ اختر واحدة لا يوجد مانع، أما أن نقيم مشكلة، نُحدِث خصومة، نكفّر الناس هذا شيء غير معقول.
أنا لا أتكلَّم من هواء بل من واقع، هذا هو واقع المسلمين في شتى بقاع الأرض، فكم من مسجد في أوروبا وأمريكا دخله رجال الأمن بأحذيتهم ليفضّوا نزاعًا بين جماعتين إسلاميتين حول قضايا تافهة في الدين، قضايا تفصيلية، وهذا الجامع للجماعة الفلانية، وهذا الجامع للجماعة الفلانية، هؤلاء يكفرون هؤلاء، هذه مشكلة الآية.
أصل الإيمان كلِّه أن تؤمن أن كل شيءٍ يجري بأمر الله وعلمه:
قال تعالى:
{لَيْسَ الْبِرَّ}
أي إنك لا تكونُ بارًا، ولا مقبولًا عند الله عزَّ وجل إذا دخلت في هذه المتاهات، وتلك التفصيلات، وهذه الخصومات ونسيت جوهر الدين ..
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ}
أي أن أصل الإيمان كلِّه أن تؤمن بالله، لا أن تؤمن به خالقًا فحسب، لأنها قضية سهلة جدًا، ما من إنسان إلا قلَّة شاذَّة منحرفة جاءت في آخر الزمان أنكرت وجود الله، أما البشرية جمعاء من آدم إلى يوم القيامة تؤمن أن الله خلق الكون، حتى عُبَّاد الوثن:
{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه}
[سورة لقمان الآية: 25]