وبالمناسبة، الغيب في القرآن على أنواع ثلاثة؛ غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل، فهذا من غيب المستقبل، وعد الله المؤمنين بالنصر، وبالاستخلاف، وبالتمكين في الأرض، وقد نفذ وعد الله عز وجل، وأصبح رعاة الإبل قادة للأمم، وأصبح هؤلاء الأصحاب الذين كانوا مستضعفين في الأرض قادة للأمم والشعوب، تنفيذًا لوعد الله عز وجل، وقد روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الأرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الآخِرَةِ نَصِيبٌ ) ).
[رواه الإمام أحمد]
وكأن هذه البشارة قد وقعت.
شيء آخر، هو أن هذا الوعد الذي يشمل المؤمنين له معنيان؛ له معنى عام، ومعنى خاص، له معنى كلي، ومعنى فردي، أو له معنى جماعي، ومعنى فردي، فإذا كان المؤمنون جميعا مؤهلين لنصر الله عز وجل، ولأن يكونوا خلفاءه في الأرض، ولأن يمكن الله لهم دينهم، وعندئذ يتحقق وعده الثابت الذي لن يخلفه أبدا، وبنص هذه الآية الكريمة إذا لم يكن مجموع المؤمنين في المستوى الذي يستحقون هذا التمكين، وإذا لم يكن مجموع المؤمنين في المستوى الذي يستحقون هذا الاستخلاف، عندئذ ينصرف هذا الوعد لآحاد المؤمنين، فأنت أيها المؤمن إذا أهلت نفسك، واستقمت على أمر ربك، ونزهت دخلك، ونزهت سلوكك، عن كل مخالفة أو معصية فلابد أن يعطيك الله شيئا استثنائيا خاصا بك، إذ تتحقق به هذه الآية، فإما أن يكون التنفيذ على مستوى جميع المؤمنين إذا كانوا مؤهلين، وإما أن يكون إنجاز هذا الوعد على مستوى آحاد المؤمنين إن لم يكن المجموع مؤهلا.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
وشيء آخر:
{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} .