إذًا حينما أعرض الكافر عن التفكر في السماوات والأرض فما عرف الله، وحينما لم يعرف الله عز وجل لم يقم لأمره قيمةً، ولم يعبأ بطاعته، ولا باجتناب معاصيه، وبهذا الجهل، وهذا الانحراف وقع في ظلام، وحينما وقع في ظلام اتجه اتجاهات ليست صحيحة، وحينما جاء يوم القيامة، وكان يستنجد بهذه الإنجازات فرآها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، فالإنسان أحيانا يتساءل أن له إنجازات ضخمة على مستوى الصناعة، والتجارة، والزراعة، واكتشافات، وأسلحة ذات فعالية تفوق حد الوصف، وأسلحة جرثومية، وكيماوية، وقنابل ذرية، وقنابل انشطارية، أليس هذا إنجازًا؟ نعم، ولكن هذا الإنجاز لو عرض على ميزان يوم القيامة كان كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، وحتى الأعمال التي تبدو للناس عظيمةً، والتي يفعلها أهل الدنيا المنقطعون عن الله عز وجل، والتي هي بنظرهم عظيمة، فهذه الأعمال لو عرضت على المحك الصحيح الذي يسعد الناس، أو يشقيهم لكانت أعمالهم خسارة، ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
{قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالَأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} .
(سورة الكهف: الآية104)
وحينما يرى الله عز وجل الإنسان قد أعرض عنه يذكره فلا يتذكر، وينبهه فلا ينتبه، ويسوق له الشدائد فلا يتعظ، وعندئذ يدعه وشأنه:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} .
(سورة الأنعام: الآية44)
كل شيء يعني التفوق والتقدم والإنجاز وبحبوحة العيش، والغنى، والقوة، وما شاكل ذلك ..
{حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} .
(سورة الأنعام: الآية44)
الحقيقة أنّ السراب يحسبه الظمآن ماء، فلِمَ قال ربنا سبحانه وتعالى: {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً} ؟