هذه الآية دقيقة جدا، فهي تنفي عادة جاهلية كانت سائدة قبل مجيء الإسلام، فكان لبعض الجاهليين إماء، وكانوا يكرهوهن على الزنى ليأخذوا منهن مالا كثيرا، وروى التاريخ عن رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول كان له ست جاريات، كان يكرههن على البغاء، أي على الزنا، من أجل أن يأخذ منهن أموالًا طائلة، فهذه عادة شنيعة قبيحة جاء الإسلام ليقضي عليها قضاء مبرما.
{وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُ} ، والإكراه كما يقول عنه الفقهاء لا يسمى إكراها إلا إذا خاف الإنسان أن يفقد حياته كلها، أو يفقد أحد أعضائه، أو يفقد ماله كله، فحين يقول الفقهاء:"الضرورات تبيح المحظورات"، فالضرورات هي أن يغلب على ظنك أن هذا الذي يهددك يفعل ما يقول، وأنه يهددك بالموت، أو بفقد أحد الأعضاء، أو فقد المال كله، عندئذ فلا على الإنسان في هذه الحالة أن ينطق بكلمة الكفر، ولا شيء عليه إنقاذًا لحياته، أو إنقاذًا لأحد أعضائه، أو إنقاذًا لماله كله، فالإنسان أحيانًا يتوسع في الإكراه، يقول: أكرهوني، استحييت، أحرجوني، ضيقوا علي، هذا كلام غير مقبول شرعًا، لا يقبل منك أن تفعل معصيةً بدافع الحياء، أو الخشية، أو الإحراج، أو خشية أن يقال عنك كذا وكذا، وخشية أن تتهم بكذا وكذا، كل هذا الكلام لا يرقى إلى مستوى الإكراه، فالإكراه الشرعي أن تخشى من يهددك، وهو يفعل ما يقول، بموتك، أو بفقدان أحد أعضائك، أو فقد مالك كله، هذا هو الإكراه الذي تعنيه هذه الكلمة في قوله تعالى: {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ} ، وفتياتكم يعني إماءكم، والبغاء هو الزنى، وهو عادة شنيعة جدا، فجاء الإسلام ليطهر الحياة الإسلامية من كل شذوذ، ومن كل انحراف، ومن كل عدوان.
معنى: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا