إنْ وجدت في البيت أحدًا، فالآية عجيبة، إذا دخلت البيت، وفيه إنسان غير مالكه، ومنعك من الدخول فمعه حق، {وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} .
قد يكون البيت في مصيف، وصاحب البيت أعطاه لصديق له، وسمح لك أن تذهب إليه، ذهبت إليه، فإذا هو مشغول، حصل هناك خطأ في المواعيد، يقول لك الذي في البيت: لا تدخل، أنا هنا، فارجع أنت، {وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} ، هذا حكم ثان للبيت غير المسكون، إن أردت دخوله فلابد من إذن واضح، وإن كان به إنسان لا يملكه، ومنعك من الدخول فله الحق في ذلك، وإذا غلب على ظنك أن هذا البيت ليس فيه أحد فليس لك أن تدخله، مع أنه خالٍ من السكان، هذه بعض الأحكام التي تؤخذ من قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} ،
أطهر، أزكى لسمعتكم، أزكى لكرامتكم، أزكى لمكانتكم، أزكى لشخصيتكم، {هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} .
هذا تهديد، فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: أنا أعلم بما تعملون، أعلم الدوافع الخفية التي وراء أعمالكم، أعلم ما إذا كنتم توهمتم أن أحدا في البيت ليس موجودا، أو موجودا فهذا يعلمه الله عز وجل، أعلم نواياكم في دخول البيت، أعلم كل شيء، كل أعمالكم مكشوفة عند الله عز وجل، قال بعض العلماء: هذا تهديد من الله عز وجل، أي أيها العباد أنا عليم خبير بطوايا نفوسكم، بنواياكم، بما يعتلج في صدوركم، ومن قوله تعالى: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا} ، ماذا يفهم من هذا الحكم؟ يفهم من هذه الآية أن عليك ألا تلح في الدخول، لأنّ الإلحاح ليس من صفات المؤمن، وفي الحديث:
(( اِبْتَغُوا الْحَوَائِجَ بِعِزَّةِ الأَنْفُسِ فَإِنَّ الأُمُورَ تَجْرِي بِالْمَقَادِيرِ ) ).
[المقدسي في الأحاديث المختارة عن عبد الله بن بسر]