{وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .
[البقرة: من الآية 216]
يقول الإمام السكندري:"مَن ظنّ انفكاك لطفه عن قدره فذلك لقصور نظره، وربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك".
أعطاك الدنيا فابتعدت عن الهدى، فهذا في الحقيقة منع، وربما منعك فأعطاك، منعك من الدنيا فاقتربت من الله عز وجل، فكان هذا المنع عين العطاء، وقد يكون العطاء من الخلق حرمان، والمنع من الله إحسان، إن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام، وكما يحمي أحدكم غنمه من مراتع الهلكة، ومتى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء، فعندما يُثبت لك الطبيب أن هذه الأكلة تسبب التهابًا في الأمعاء أو المعدة، وهذا المريض معه بوادر التهاب في المعدة، وإن هذا الطعام فيه مواد ثقيلة، فيه مواد حريفة، وفيه مواد مخرشة، وهناك حالة مرضية ابتدائية في المعدة، فإذا أقنعك الطبيب أن هذا الطعام يؤذي المعدة، ويسبب التهابًا بدرجة عالية، فأنت حينما تفهم حكمة المنع ينقلب المنع عين العطاء، وإنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه، الذي يؤلم في المنع أنك لا تعرف الحكمة، فلو عرفت الحكمة لم يعد المنع مؤلما، فالذي بإمكانه أن يأكل ما لذ، وطاب إذا نصحه الطبيب بترك هذه الأكلة لم تؤلمه هذه النصيحة، بل يتلقاها بالقبول الحسن، ومتى أوحش من خلقه، فليفتح لك باب الأنس، ربما لا يدرك الناس أحيانًا، ولا يعرفون قيمتك فيتهجمون عليك، ويجحدون فضلك، ويتنكرون لك، ويبتعدون عنك، ويلغطون في حقك، هذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، ومتى أوحشك من خلقه فليفتح لك باب الأنس به، وربما وجدت في الفاقات ما لا تجده في الصوم والصلاة، فقد ترفع المصيبة الإنسان عشرات الدرجات، حيث إن الصلاة نفسها لا يمكن أن تفعل فعلها في هذا الإنسان لذلك: