لو أنه تاب إلى الله توبة نصوحا فلا بد أن يقوم عليه حد الجلد، أو حد القذف، لأن هذا حق الله عز وجل، كل العلماء انقسموا حول هذه الآية قسمين: بعضهم غلّب حق الله على حق العبد المقذوف، وبعضهم غلّب حق المقذوف على حق الله، لكن الذين غلبوا حق الله على حق العبد المقذوف كانوا أقرب إلى الحقيقة، لأن الله سبحانه وتعالى ولي الذين آمنوا، فهذا المقذوف عفا أم لم يعف فلابد أن يقام عليه الحد، فالإنسان دقيق، فالناس أحيانا في سهراتهم ونزهاتهم ولقاءاتهم يتحدثون عن فلانة، وعن فلانة، فلو كان الإنسان يحاسب حسابًا دقيقًا وفق هذه الآية يجب أن يجلد معظم الناس، كيف تخوض في أعراض النساء، كيف تتهم فلانة أنها زانية، كيف تشير بإصبعيك، كيف تنفض ثوبك وتقول: لا أدري، هذا قذف أساسا، القذف ليس باللسان فقط، باللسان، وبالحركة، وبالعبارة.
لو أن هذا القاذف تمكن أن يحضر ثلاثة شهود على أن هذه المرأة زانية يقام عليه الحد، ويجلد الشهود على أنهم قاذفون أيضا، فيجب أن يكونوا أربعة، فإذا كانوا ثلاثة يُجلَدون كلهم، فهذا كان شاهدًا، فلما لم يستكمل النصاب أصبح قاذفا، ويقام عليه حد الجلد صونا لحق المرأة العفيفة.
ثلاثة شهود جاؤوا ليدلوا بشهادتهم، إذًا يبطحون على الأرض، ويجلدون، لأن الرابع لم يأت معهم.
أما كلمة:
{فَاجْلِدُوهُمْ} .
إقامة الحدود منوطة بالسلطان حصرًا:
فكما قلنا في الدرس الماضي هذا خطاب موجه إلى عامة المسلمين، ممثلين في أولي الأمر، فليس على آحاد المسلمين أن يقيموا هذا حد الجلد، هذا الحد من اختصاص أولي الأمر، وليس من اختصاص آحاد المسلمين أن يمسك السياط، ويضرب زانيا أو قاذفا، بأنك تريد أن تقيم حد الجلد، أو حد القذف، هذا كلام مرفوض، لا يقيم حد القذف إلا أولو الأمر لقوله تعالى:
{فَاجْلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلْدَةً} .