حينما يتقدم المفعول به على الفعل فهذا من أجل القصر، والقصر يعني أن تَقْصُرَ شيئًا على شيء:
{فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ}
والعبادة في أدقِّ مفاهيمها التوجُّه إلى الله بعد طاعته، تطيعه وتتوجَّه إليه، ولن تطيعه إلا إذا عرفته، ولن تعرفه إلا إذا فكَّرت في ملكوت السماوات والأرض، إذا فكَّرت في آياته الدالة على عظمته تعرفه، فإذا عرفته تطيعه، فإذا أطعته توجَّهت إليه، فإذا توجَّهت إليه سعدت بقربه في الدنيا والآخرة:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
(سورة الذاريات)
عِلَّة الخلق أن تعبد الحق:
{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}
(سورة الحجر)
فلذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:
{أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}
(سورة المؤمنون: آية"32")
لا إله إلا الله لا مسيَّرَ بحقٍ إلا الله، لا معبودَ بحقٍ إلا الله، هذا الذي خلق السماوات والأرض، هذا الذي يُربِّي مخلوقاته بأن يمدهم بكل ما يحتاجونه، رب العالمين، هذا الذي يسيِّر كل شيء هو الإله، فلا بدَّ أن تؤمن بالإله خالقًا، ولا بدَّ أن تؤمن به مربيًا، ولا بدَّ أن تؤمن به مسيرًا، إذا آمنت به خالقًا، وآمنت به مربيًا، وآمنت به مسيرًا، فلا بدَّ أن تعبده، أمرك كله معه.
أنت كموظف في دائرة إذا أيقنت أن الحل والربط، والمنع، والسماح، والموافقة، والرفض، وكلها مجمَّعة بيد إنسانٍ واحد، عندئذٍ لا تتجه إلى غيره، لا تُرضي غيره، لا تكسب ود غيره، تجعل علاقتك كلها مع هذا الإنسان، وهذا في المنطق الاجتماعي اليومي، فإذا أيقنت أنه لا إله إلا الله، إذا أيقنت أنه إليه يرجع الأمر كله، إذا أيقنت أن الله خالق كل شيء، وهو على كل شيءٍ وكيل، إذا أيقنت أنه بيده ملكوت السماوات والأرض، إذا أيقنت أنه: