هذه الشهوات نرقى بها إلى الله على حدَّيها، على حدِّ الشكر وعلى حدِّ الصبر، فمن غضَّ بصره عن محارم الله، وقد أودع الله فيه حب النساء ارتقى صابرًا، ومن سلك الطريق التي رسمها الله عزَّ وجل الشرعية ارتقى إلى الله شاكرًا، من كَسِبَ المال الحلال فتنعَّم به في الدنيا ارتقى، هذا الإنسان بسبب حبه للمال ارتقى إلى الله شاكرًا، ومن ترك المال الحرام، وهو في أمسِّ الحاجة إليه ارتقى إلى الله صابرًا، إذًا منحنا الكون، ومنحنا العقل، ومنحنا الشهوات، كلُّ هذا من أجل أن نرقى به، وتفضَّل علينا بأن أرسل إلينا الأنبياء والمرسلين، وأنزل معهم الكتاب بالحق، إذًا الكون، والعقل، والشهوة، وحرية الاختيار، لولا أن الإنسان مخيَّر لما ارتقى إلى الله عزَّ وجل، لو أنَّه مُكْرَه لا يرتقي إلى الله، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، إنما خيرهم، إذًا مقومات التكليف، المقومات تسخير الكون، ومنحة العقل، وإيداع الشهوة، والتخيير، والرُسل والأنبياء، والشرع، هذه الكتب التي أنزلها على أنبيائه ورسله، لذلك ربنا عزَّ وجل في هذه الآية يَذْكُر لنا بعضًا من مِنَنه على عباده:
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا}
والله هو المرسِل، ومن لوازم الحكيم أن أفعاله كلَّها حكيمة، وهذا الذي أرسله صفوة الخلق، لأن الله عزَّ وجل قال:
{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}
(سورة آل عمران)