أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل هذا البيت مكانًا للتقرُّب إليه، جعل هذا البيت مكانًا لعبادته، جعل هذا البيت مكانًا للتفرُّغِ لعبادته، فلذلك من حكمة الحج أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين أن يأتوا إليه مخلِّفين وراء ظهورهم بيوتهم، وزوجاتهم، وأولادهم، وأموالهم، وحوانيتهم، ووظائفهم، ومكانتهم، ومتعهم، ومباهجهم، كل دنياهم مركزةٌ في بلادهم، مِن أجل ألا تكون الدنيا عائقًا بين العبد وبين ربه، من أجل ألا تكون الدنيا حجابًا بين العبد وبين ربه، فالله سبحانه وتعالى أمر الناس أن يأتوا إليه، وهم في طريقهم إليه يقولون: لبيك اللهم لبيك.
أمرهم أن يبتعدوا عن الدنيا، الشيء الذي أباحه لهم في بلادهم حرَّمه عليهم وهم قاصدون إليه، حرم عليهم لبس الثياب المَخيطة، جعلهم يذكرون ساعة النشر، ساعة الحشر، أراد أن يصرفهم عن الدنيا، وربما كان اللباس من الدنيا، أمرهم أن يرتدوا ثوبين رداءً وإزارًا ليس غير، لئلا تلتفت النفس إلى الثوب، وإلى مظهره، وإلى أناقته، وإلى ألوانه المُنسجمة، ولئلا يختال الإنسان بثيابه، والله سبحانه وتعالى جعل البيت الحرام مكانًا للإقبال عليه، جعل البيت الحرام مكانًا للتوجُّه إليه، جعل البيت الحرام تفرُّغًا لعبادته.
الناس يُصلّون في بلادهم، ولكنَّهم يُصلّون، وقد ينشغلون في صلاتهم عن الاتصال بربهم، قد ينشغلون بدنياهم عن الالتجاء إلى الله عزَّ وجل، ولكنهم بالحج أمرهم أن يأتوا إليه، ولْيدَعوا كل شيءٍ وراء ظهورهم، أراد أن يعلِّمهم كيف أن هناك فِراقًا للدنيا لا رجعة بعده، هذا الحج تدريبٌ على الفراق النهائي، كيف أن الحاج يَنْخَلِعُ وينسلخ من كل ميزات الدنيا التي توفرها له مكانته ودخله في بلده، فربنا سبحانه وتعالى جعل المسجد الحرام معطوفًا على سبيل الله ..
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}