في هذه الآية لفتةٌ بلاغيَّة، كونُ فعل ترونها بالجَمْعِ، ثم أن يأتي هذا الفعل بالمُفرد، فهذه المرضعة والرضيع على ثديها تلقيه جانبًا لهول ما ترى ..
{وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}
وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا
الحِمْل الشيء المادي، وأما الحَمْل هو الشيء الذي في بطن المرأة، أو الثمرُ الذي على رؤوس الأشجار، يقال له: حَمْل، فأيضًا لشدَّة الهول ربما يحدث الإسقاط، وهذا معروف في الطب، أن هَزَّةً عنيفةً جدًا تودي بالجنين، ويصبح سِقطًا، ويسقط لهول الفاجعة، وبعضهم يفسِّر هذه الآية: أن كل نفسٍ تحمل شيئًا من الشهوات، فإذا رأت هذا الفزع الأكبر ألقت ما فيها من شهواتٍ، ومطامح، وآمال؛ والتفتت تبحثُ عن طريقٍ للنجاةِ من هذا الخطر ..
{يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا}
لذلك يا أيها الناس اتقوا ربَّكم، هذا هو المؤيِّد القانوني، اتقوا ربكم لئلا تقعوا في هذه الورطة، لئلا تصيبكم هذه الزلزلة التي عندها ..
{تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى}
حقيقةً أم مجازًا؟ ..
{وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}
وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى:
من علامات المَجاز أنه يَصْدُقُ عليه ضِدُّه، فلانٌ بهيمةٌ، وليس بهيمةً، يعني فلانٌ في تفكيره كالبهيمة، هذا مجاز وليس حقيقة، لو قلنا: هذه بهيمةٌ، وأشرنا إلى دابَّة، فهذه حقيقة، أما إذا أشرنا إلى إنسان بأنه بهيمة، ثم قلنا: وليس ببهيمة، أي أنه يفكِّر، ويتصرَّف كما لو أنه بهيمة، لذلك:
{وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى}