ولولا كلمةٌ سبقت من ربك، وأجلٌ مسمى لكان لزامًا هلاكهم، واستئصالهم، وإنزال العقوبة بهم، فكأن الله سبحانه وتعالى يُسَلِّي النبي عليه الصلاة والسلام ويقول له: يا محمد ما دمت قد أعطيتهم أجلًا لا ريب فيه، وما دامت قد سبقت مني كلمةٌ ألا أستأصلهم إكرامًا لك، أو علمًا لما في نفوسهم من خير، إذًا أنت فاصبر على ما يقولون، فأقوالهم، واستخفافهم، وتكذيبهم، وردُّهم، وهذه الكلمات التي قد تحزُنك، وقد تؤلمك اصبر عليها.
{فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ} .
(سورة الأحقاف: من آية"35")
{فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ}
ما عند الله لا ينال إلا بعد امتحان:
في هذه الآية حقيقةٌ أساسية، وهي أن ما عند الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن ينال إلا بعد امتحان، ومن لوازم الامتحان أنه شديد، وهذا العطاء الكبير لن يُنال والإنسان في بحبوحة، وكما يشتهي، فلابدَّ من امتحان:
{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) } .
(سورة آل عمران)
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) } .
(سورة العنكبوت)
فحينما دعا الله سبحانه وتعالى نبيَّه إلى الصبر، فقد كان من الممكن أن يخلق الله النبي وأصحابه الكرام من دون أعداء، وهؤلاء الأعداء الكفار الفُجَّار المعارضون الذين كادوا للنبي عليه الصلاة والسلام، كان من الممكن أن يأتي بهم قبل بعثة النبي أو بعدها بكثير، ولكن العبرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ لكل مؤمن، فيجب أن يتحَمَّل المتاعب، حتى تكون سيرته قدوةً لنا، ومثلًا أعلى يحتذى.
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} .