إذًا ما الذي يمنع أن ينزل بالكفار عقابٌ أليم؟ وما الذي يمنع أن يستأصل الكفار من أصلهم؟ وأن يدمَّر الكفار؟ أن الله سبحانه وتعالى خلقهم في هذه الدنيا وكتب على نفسه أن يعطيهم سؤْلَهُم، وحدد لهم أجلًا لا ريب فيه، فعلى الإنسان ألا يتمنَّى لو كان له قريب، أو له عدو، فقضية الآجال بيد الله عزَّ وجل، أي أن هذا الإنسان له عند الله أجل، لا يموت إلا بأجله، وله عند الله أمانة، فلابدَّ أن يستنفذ شروط الأمانة، وهذا هو المعنى الرابع.
المعنى الخامس: رحمةُ الخلق
وهناك معنى آخر، قال به بعض العلماء: ما هذه الكلمة التي سبقت من الله عزَّ وجل؟ هذه الكلمة هي أن الله سبحانه وتعالى خلق الناس ليرحمهم لا ليعذبهم، ولذلك هو يعطيهم الفرصة تلو الفرصة، فحينما تنشأ مدرسةٌ لا من أجل أن يفصل الطُلاب منها، فلو أن الطالب غاب عن المدرسة أسبوعين متتاليين تنطبق عليه مواد النظام الداخلي، ولكن المدير يعطيه فرصةً، إذ ليس القصد فصل الطالب، إنما القصد تعليمه، وتهذيبه، وتربية عقله، ونفسه، وخلقه، هذا هو القصد، وليس القصد أن الله سبحانه وتعالى كلما رأى الإنسان قد انحرف أنزل به العقاب الأليم إنه رحمنٌ رحيم:
{إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} .
(سورة هود: من آية"119")
وهذا المعنى الأخير، معنى دقيق، فليس القصد إنزال العقاب بالكفار والفجَّار، بل القصد أن يرحمهم الله عزَّ وجل، وأن يهديهم إليه، وأن يسعدهم، وأن يقرِّبهم ومن هنا جاء حلم الله سبحانه وتعالى، فهو يعطيهم الفرصة تلو الفرصة تلو الفرصة فلعلهم يرجعون إلى الله عزَّ وجل، ولذلك فهذه الآية تفعل في نفس المؤمن فعلًا مؤثرًا ..
{وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ}
أي هل قصد الأب أن يطرد ابنه من البيت أم القصد أن يربيه؟ ولذلك يعطيه فرصة ..