أنا لا أنسى أخًا كريما تبرَّع ببيت غالٍ جدا، تبرَّع به لعمل طيِّب، أُقيم له حفل تكريم، وكل من ألقى كلمات أشادوا بإحسانه وفضله، إلا أحد أخوتنا الكرام، لفت نظره فقال له: أيها المحسن الكريم كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، ولكن الله كرَّمك فجعلك معطيًا لا آخذًا تأخذ.
أنت حينما تمشي في الطريق، وترى من ينقِّب في الحاوية، ليأكل شيئا فاسدًا من شدَّة الجوع، كان من الممكن أن تكون مكانه، اشكُر اللهَ عز وجل على أن كفاك، على أنه لم يجعلك تقف هذا الموقف الصعب، فالإنسان الموحِّد لا يرى إلا فضل الله عليه، أي إذا دخل الخلاء وأراد أن يفرغ مثانته، هذه نعمة كبيرة جدًا، لو أن هذا الماء حُبِس في المثانة لاحتاج إلى عملية وإسعاف وتخدير وتنويم، لو أن هذا الكأس مُنِع عنك تشتريه بنصف ما تملك.
أحد المرضى مصاب بفشل كلوي، ذهب إلى غسيل كليته في المستشفى، قالت له الممرِّضة بعنف وبقسوة: لا تشرب ماء، الآلة معطَّلة، فأنت حينما تشرب الماء كما تشتهي، كأسًا واثنين وثلاثًا وأربعًا، هذه نعمة لا نعرفها إلا إذا فقدناها، مسموح لك أن تشرب ماء بقدر ما تريد، ومسموح لك أن تأكل، مسموح لك أن تمشي، مسموح لك أن تخدم نفسك بنفسك، فلذلك المؤمن حينما يرى فضل الله عليه و يستمع إلى ثناء الناس عليه، ينبغي أن يذوب خجلًا، ويجد الذين يمدحونه إنما يمدحون من منحه ولا يمدحونه هو.
هذا التوحيد أن ترى أن الله وراء كل شيء، و فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، هذه رؤية المؤمن رؤية توحيدية، فنعمة السمع ونعمة البصر ونعمة العقل الذي في رأسك.
ليس بعد نعمة الإيمان من نعمة إلا نعمة الصحة: