الفصاحة الجنان لا فصاحة اللسان:
وحول هذا الموضوع قصَّةٌ طريفة جرت بين واعظٍ ونحوي، فقد جلس نحويّ .. أي عالمٌ بالنَّحوِ .. في مجلس واعظ، فَلَحَنَ الواعظ .. أي أخطأ في حركة بعض الكلمات .. فقال النحوي:"أخطأت"، هكذا قالها أمام تلاميذه، فقال له الواعظ:"أيها المُعرض في أقواله، اللاحن في أفعاله، أكلُ هذا لأني رفعتُ، ونصبت، وخفضت، وجزمت؟ فهلاَّ رفعت إلى الله يديك بالدعاء؟ ونصبت بين عينيك ذكر الممات؟ وخَفَضْتَ نفسك عن الشهوات، وجزمتها عن فعل المحرَّمات، أفلا تعلم أنه لا يُقال للمسيء يوم القيامة: لِمَ لَمْ تكن فصيحًا مُعْرِبًَا؟ وإنما يقال له: لِمَ كنت عاصيًا مذنبًا؟ ولو كان الأمر بالفصاحة لجعل الله الرسالة في هارون، ولم يجعلها في موسى، فقال تعالى إخبارًا عنه:"
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا} .
(سورة القصص: من آية"34")
فجعل الله تعالى الرسالة ـ في موسى ـ لفصاحة جنانه لا لفصاحة لسانه، فالأمر تابعٌ للجنان .. أي للقلب .. لا للسان"."
فالفصاحة وحدها لا قيمة لها، أما إذا أضيفت الفصاحة إلى قلبٍ مُفْعَمٍ بذكر الله عندئذٍ تؤتي ثمارها ..
دخل على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين، فقام غلامٌ لا تزيد سنُّه على إحدى عشرة سنة، فقال الأمير:"اجلس أيها الغلام، وليقُم من هو أكبر منك سنًَّا"، فقال:"أصلح الله الأمير؛ المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبدَ لسانًا لافظًا، وقلبًا حافظًا فقد استحقَّ الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس"..