فهرس الكتاب

الصفحة 10665 من 22028

فمثلًا لو أنك صاحب محلٍ تجاري، وأنت جالسٌ وراء الطاولة، ولم تغادر هذه الطاولة التي فيها المال لحظةً واحدة، فهذا الصانع الذي أمامك يا ترى أهو أمينٌ أم خائن؟ ما كان لك أن تعرفه، ما دمت وراء الطاولة، والمال تحت مراقبتك، وأنت مهيمنٌ عليه، وكيف تقول: هذا الصانع أمين أم خائن؟ لم يُتَح لك أن تكشف عن أمانته أو خيانته، إنك إذا تغافلت عنه قليلًا، وخرجت من المحل إلى محلٍ مقابل، وكانت عينك ترعى محلك التجاري، وراقبت هذا الصانع كيف يبيع ويشتري، هل يضع هذا المال في الدرج أم يضعه في جيبه؟ إنك إن تغافلت عنه تمتحن أمانته، وتعرف أخلاقه، فما كان لهذا الإنسان أن ينكشف على حقيقته لولا أنك تغافلت عنه، ولذلك فالإنسان أحيانًا يسيء حتى يظن أن الله غافلٌ عنه، وكأن دابةً لها حبلٌ مُرْخى تظن أنها طليقة، ولكنها ليست بطليقة، إنه في اللحظة المناسبة يشد الحبل فإذا هي في قبضة صاحبها، لذلك:

{إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}

وأحيانًا يأتي الموت فجأةً، وهذا الإنسان خطّط أن يمضي هذا الصيف في هذا المكان، وهذا الشتاء في هذا المكان، ومخطط لرحلات ممتعة، ولسهرات عامرة، وليالٍ حمر، وموائد خضر، فإذا بالموت على الأبواب، ولذلك:

{إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}

ولابدَّ أن تُكْشَف النفس على حقيقتها، ولابدَّ أن تمتحن، أن تُبْتَلى، وأن يفتن الإنسان.

{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) } .

(سورة العنكبوت)

الدنيا دار ابتلاء، والآخرة دار جزاء، والدنيا دار تكليف، والآخرة دار تشريف، والدنيا دار عمل، والآخرة دار إكرام ..

{لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت