والمعنى الثاني: أن النبي عليه الصلاة والسلام حمَّل نفسه فوق طاقتها، فأتعبها، وكان في الليل قَوَّامًا، وفي النهار داعيًا، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعته السيدة خديجة إلى أن يأخذ قسطًا من الراحة بُعَيْدَ نزول الوحي عليه، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
(( انقضى عهد النوم يا خديجة ) ).
(ورد في الأثر)
قام قومةً واحدة، ودعا إلى الله، ولبث في قومه ثلاثة وعشرين عامًا، حقَّق من خلالها ما لا يفعله البشر قاطبةً، قَلَبَ وجه الأرض، إذْ أرسى قواعد العدل، لقد جاء الحياة فأعطى، ولم يأخذ، وقدَّس الوجود، ورعا الإنسان، وكان مثلًا أعلى، ألم يَدْعُه أترابه حينما كان صغيرًا إلى اللعب، فقال عليه الصلاة والسلام وهو في سنِّ الطفولة:
(( لم أُخْلَق لهذا ) ).
(ورد في الأثر)
ألم ينزل عليه قوله سبحانه وتعالى:
{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ (2) } .
(سورة الشرح)
هذا الحِمل الثقيل، عبء الدعوة، عبء الهداية كان يحمله، ولا يدري ما المخرج، كيف يدعوهم؟ وبأية صفةٍ يدعوهم؟ إلى أن أنزل الله عليه الوحي، ألم يقل الله عزَّ وجل: {وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) } .
(سورة الضحى)
فلذلك هذه الآية:
{طه • مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}
ما أردنا أن يكون هذا القرآن مُتْعِبًَا لك إلى هذا الحد، وما أردنا أن يكون القرآن يحمِّلك ما لا تطيق، ونحن بعد ألفٍ وأربعمئة عام نتمنَّى على الأخ الكريم أن يحضُر إلى المجلس ليستمع ساعةً في الأسبوع إلى التفسير، فقد يأتي في هذا الأسبوع، وربما لا يأتي في الأسبوع الآخر، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد حَمَّلَ نفسه فوق ما يطيق ..
{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}