هل يؤلمك أن ترى أخًا لك في طريق الضلال، أم تقول في نفسك: ما لي وله، ليفعل ما يشاء؟ إن قلت: ما لي وله، ليفعل ما يشاء، فليس في القلب رحمة، هل تتألَّم إذا دعوت إنسانًا لطاعة الله، وسخِرَ من هذه الدعوة؟ وهل يتفطَّر القلب ألمًا إذا رأيت مَن حولك في طريقٍ الهاوية؟ فإن كنت كذلك فأنت تقفو أثر النبي عليه الصلاة والسلام، إن كنت كذلك فأنت من أمَّته، لأن الراحمين يرحمهم الله.
{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}
هذا هو المعنى الأوَّل.
المعنى الثاني:
أن النبي عليه الصلاة والسلام لشدَّة عنايته بهذا الكتاب تلاوةً، وتعليمًا، وقراءةً، وتعبُّدًا حمَّل نفسه فوق ما يطيق، إنه يمضي معظم الليل يصلي قائمًا إلى أن تورَّمت قدماه، إنه يمضي معظم أوقاته في تعليم الناس، وفي توجيههم، وفي هدايتهم، إنه يحفظ هذا الكتاب، وينقله نقلًا أمينًا للبشر الذين أنيط هداهم به، فالله سبحانه وتعالى يخفِّف عنه ..
{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}
بعض الجُهد، لا تُحمِّل نفسك ما لا تطيق، فجسدك له عليك حق، استرح ولو قليلًا ..
{إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ} .
(سورة المزمل: من آية"20")
إذًا إما أن تفهم الآية:
{طه • مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى}
على أن النبي عليه الصلاة والسلام لشدَّة ما انطوى قلبه على رحمةٍ مُزجاةٍ للبشر كافَّةً إذا رآهم منحرفين، أو معرضين، أو ضالين يتفطَّر قلبه، ويتحمَّل كما تتحمَّل الأم الرؤوم من الآلام حينما ترى أولادها على غير الطريق الصحيح سائرين، فهو كالأم تمامًا.