كان مجتمعهم مجتمعًا منحرفًا يسود فيه الفجور والخلاعة، والانهيار في القيم، والانحطاط، الفاجر هو القوي، والمستقيم هو الضعيف، الفاسق هو الغني، والمُلتزم هو الفقير، مجتمع فيه ظلم، وانحراف، وقسوة، وميوعة، وانحلال، فيه ما في كل المجتمعات المتفسِّخَة، هذه هي البيئة التي عاش فيها هؤلاء الفتية أصحاب الكهف، ويبدو أنَّ هؤلاء الفتية كانوا من بيوت عظيمة، ومن علية القوم، يعيشون، ويأكلون ما لذَّ وطاب.
ولكن حينما بلغتهم دعوة السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وقعوا في صِراع داخلي، بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين أن يقفوا مع عقولهم، وبين أن يقفوا مع شهواتهم، بين المبدأ والمصلحة، وبين القيم والحاجات، نشأ هذا الصراع العنيف في نفوسهم أولًا، ثم انعكس على مواقفهم، وعقيدتهم، وتصرفاتهم، لذلك شعروا أنهم غرباء عن هذا المجتمع، ماذا يفعلون؟ إما أن يعتقدوا عقيدة صحيحة مع الموت، وإما أن يحيوا مع الفساد في العقيدة، إنه خيار صعب، ولا مكان لموقف ثالث، إما أن يسايروا، ويواكبوا، ويوافقوا هذا التيار المنحرف؛ تيار الفسق، والفجور، والمجون، والعقيدة الوثنية في عهد الرومان قبل انتشار دعوة السيد المسيح، وإما أن يقفوا مع الحق الذي آمنوا به، وعرفوه، ويدفعوا ثمنه باهظًا جدًا، والأمر لا يحتمل حالة ثالثة، فإما أن يكونوا مع الحق، ولا حياة مع الحق، وإما أن يكونوا مع الباطل حيث البحبوحة والحياة الرغيدة، هذا تمهيد للحالة النفسية، وللبيئة التي عاش فيها أصحاب الكهف قبل أن يأووا إلى كهفهم.
{إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً}