هكذا كان المؤمنون في بداية عهدهم، في مكة المكرمة، وكتب السيرة تفيض بقصص الظلم، والقسوة، والتعذيب، والتنكيل، وتحكي من أخبارِ محنة سيدنا بلال، وعمار، وخباب، ومصعب وسمية، الشيء الكثير.
إذًا: كأنَّ هذه القصة جاءت بلسمًا شافيًا لهؤلاء المؤمنين الأوائل الذين لاقوا ما لاقوا، وتحملوا ما تحملوا، وكان صبرهم دليلًا قاطعًا على عِظَمِ إيمانِهم.
إنه شَبهٌ تام بين الممتحنين في مكة، وبين الممتحنين من أصحاب الكهف، ولِذا قصَّ الله عز وجل في هذه الفترة الرهيبة التي يستولي فيها اليأس، والتشاؤم، وتزيغ الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر، قصة يوسف مع إخوته، وقصة موسى مع فرعون، وقصة فرد مع أمة ونبيٍ مع جماعة، وقصة أصحاب الكهف، لأنَّ لهذه القصص أهدافًا تربويةً كبيرة جدًا.
هناك شيءٌ آخر في هذه القصة، وهو نُقاط التشابه بين مؤمني مكة في بداية عهد الإسلام وأصحاب الكهف، إذ أن هناك الإرادة القاهرة التي تنصر المؤمن على الكافر، والبر على الفاجر، والمظلوم على الظالم، والضعيف على القوي، والفقير على الغني، بِطُرق تحار منها العقول وتشده بها العقول، ويؤمن بها الكافر، ويوقن بها المُتشكك، أي أنَّ هناك قوة قاهرة، تنصر الضعيف، المقهور، الذليل، المظلوم، الفقير، على خصمه القوي، العتيد، الشديد، هذا وجه التشابه بين قصة أصحاب الكهف، وهؤلاء المؤمنين الأوائل.
وما أشبه المسلمين في مكة بالفتية المؤمنين الذين لجؤوا إلى الكهف فِرارًا بدينهم من الفتن، فبقوا فيه إلى أن قلب الله الليل نهارًا، وانقرضت الدولة الكافرة المضطهدة لأهل الإيمان والعقيدة، حينما أفاق أهل الكهف رأوا حياة أخرى، ومجتمعًا آخر، وعلاقات أخرى، وكأنَّ الذي خافوا منه قد زال عنهم زوالًا نهائيًا، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى:
{فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا}