هذه الآية أيها الإخوة أصلٌ في أن الإنسان مفطور على الإيمان بالله، لو ركب مجموعة من الناس طائرة أو باخرة، وكان فيهم الملحد، وفيهم الكافر، وفيهم الزنديق، وفيهم المنكر الفاجر، وفيهم المستخف بالدين، إذا هبت عاصفة هوجاء، وأصبحت الأمواج كالجبال، دقق في وجوه هؤلاء جميعًا، على اختلاف نحلهم ودياناتهم، على اختلاف مللهم واتجاهاتهم، ومعتقداتهم وأهوائهم، وعلى اختلاف مشاربهم وعقائدهم وقيمهم، وعلى اختلاف انحرافاتهم، كلهم جميعًا بصوت واحد ينادون: يا اللَّه، فالإنسان مؤمن بالفطرة، لكن الشهوات ومشاغل الدنيا والأطماع هذه كلها تطمس الفطرة، لكننا إذا واجهنا خطرًا شديدًا نعود إلى اللَّه عز وجل، وهذا الذي أقوله ليس افتراضيًا، بل إنه قد وقع.
طائرةٌ تُقِلُّ أناسًا ينكرون وجود الله عز وجل، فلما مرت بغيمة مكهربة، وتبعها جيب هوائي، وبدا للركاب كأنها قد سقطت، ما الذي قد حصل؟ كلهم ضجوا بالشكوى إلى الله عز وجل.
فالإنسان مؤمن بفطرته، لذلك: الإمام علي رضي الله عنه سُئل: متى كان الله؟ فأجاب: ومتى لم يكن حتى تسألوني: متى كان الله؟
الإنسان أحيانًا لِجهله، ولضيق أُفُقِه، ولعدم تبصره يتوهم أنه إذا كان في بيته، والبيت بناؤه جيد، وكان في أتم صحته، وكان عنده مال وفير، فهو في غنى عن رحمة الله عز وجل، هذا هو الجاهل، لكنه إذا ركب طائرة، أو ركب باخرة فأدرك أنه صار تحت رحمة الله، هذا الوهم وهذا الضلال، إنك في أشد ساعات يقينك بأنك مكين، إنك في أشد ساعات استغنائك عن الله مفتقر إلى الله عز وجل، فهذا الذي توهم أن الخطر كامن في البحر فقط، وأنه مادام في السفينة لا بد من قول: يا الله، أو أن الخطر كامن في الطائرة فقط، هذا ضال جاهل ضيق الأفق، ربنا سبحانه وتعالى يقول: