قضية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام تركت هَزَّةً في أوساط مكة، ذلك لأن المكان لا يقدس بذاته، بل يقدسه الله عزَّ وجل، وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أن الله أمرنا أن نقبِّل الحجر الأسود، لا لأنه عظيمٌ في ذاته، بل لأن الله أمرنا أن نقبِّله فصار عظيمًا، وأمرنا أن نرجم حجرًا آخر رمزًا لإبليس، فالشيء لا يكون مقدسًا في ذاته، ولكن يقدس لأمر الله فيه، نحن عندنا دائمًا قواعد: في عندنا أمر مصلحي وأمر إيماني، أحيانًا تتحقَّق مصلحتك في هذا العمل فتفعله، فأنت نفَّذت أمرًا مَصلحيًا، أُمرت أن تشتري هذه العملة لأنها سوف ترتفع مثلًا هذا أمر مصلحي.
الأمر الإيماني لا علاقة له بمصلحتك إطلاقًا، الله عزَّ وجل أمرك، وكل أمر إلهي علَّته أنه أمر إلهي، أمر خالق الكون، فكل ما تعرف عن الله عزَّ وجل من عظمةٍ، وحكمةٍ، وعدلٍ، ورحمةٍ، ورأفةٍ في هذا الأمر. فقريش كانت تقول: هذه الكعبة ليست بيت الله بل هي بيت آبائنا وأجدادنا. وكانت مزروعةً بالأصنام التي تُعبد من دون الله، فربنا عزَّ وجل أراد أن يُهمل هذا البيت مؤقَّتًا، وأن يصرف الناس عنه إلى بيت المقدس، فلمَّا آن الأوان أن يعودوا إلى بيت الله الحرام، جاء الأمر بتحويل القِبلة، فهذا أمر إيماني، أي يجب أن نطبِّقه بصرف النظر عن فهمنا له.
{وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}