من خلال تجاربي الشخصية؛ ألتقي أحيانًا بعض الأشخاص، أحدهم عمره خمسة وتسعون عامًا، أجرى فحوصًا شاملة على كل أجهزته، فكانت جميع الفحوص جيدة، قال لي: وَاللَّهِ لا أعرف الحرام في حياتي؛ لا عرفت الحرام من طرف النساء، ولا من طرف المال، ما كسبت درهمًا حرامًا، ولا أعرف غير زوجتي، خمس وتسعون سنة أجريت له الفحوص، وأولاده ميسَّر حالهم، فحوصه كلها جيدة، وفي الدعاء الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم:
(( وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا ) ).
[الترمذي عن ابن عمرٍ]
الأعمال الصالحة، الصدقات، غض البصر، إنفاق المال، حضور مجالس العلم، أن تجلس على ركبتيك ساعة أو أكثر ابتغاء وجه الله، لا تبتغي من مجيئك إلى هنا لا درهمًا، ولا دينارًا، ولا وظيفة، ولا شيئًا، ولا بيتًا، ولا مكانة، ولا شيئًا، لا تبتغي شيئًا من الدنيا إطلاقًا، تبتغي وجه الله فقط، بذل هذا الجهد، والحرص على طاعة الله، أتكون كغيرك من الناس؟ لذلك ربنا عز وجل قال:
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ}
حدثني أخ كريم قال لي: له قريبة من سنوات أصيبت بشلل كامل، ثم ضعف تفكيرها، وخرفت، قال لي: نضعها على السرير، ونربطها بالحبال، قلت له: لماذا؟ قال: لكي لا تأكل من نجسها.
{وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
يجب على الإنسان ألاّ يتجاوز الحدود، وألاّ يعتدّ بقوته وهو شاب، وألاّ يتجاوزْ حقوق الله عز وجل، وألاّ يستعلِيَ على الناس.
قبل ثلاثين أو أربعين عامًا حدثني رجل فقال: إن شخصًا وصل إلى مراتب علية، خرج من بيته، ولم يعد، فاتصلت زوجته بأقسام الشرطة، عثر عليه في أحد أحياء دمشق الجنوبية تائهًا، ضائعًا، كالطفل الصغير.