فإذا كان منطقك لا يسمح لك أن تخضع له من باب الاضطرار أفلا تخضع له من باب العرفان والشكر؟
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ}
من أي نوع أنت؟ إن كنت عاقلًا فاخضع له من باب الاضطرار، لأن الأمر كله بيده.
{وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}
(سورة هود: 123)
إذا كنت كريم النفس فاخضع له من باب العرفان والشكر، لأن كل النعم التي أنت فيها إنما هي من نعم الله عز وجل، ولأنه:
{وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ}
آية أخرى تشابهها:
{وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}
(سورة إبراهيم: 34)
نعمة واحدة لو أمضيت مدة حياتك في إحصاء فوائدها لما انتهيت، فإذا كنت عاجزًا عن إحصاء فوائد نعمة واحدة، فأنت عن شكر هذه الفوائد أعجز، وعن شكر النعم كلها أشد عجزًا.
{وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}
ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ
فهذا الذي يلحد في آيات الله، هذا الذي ينكر، هذا الذي يعرض، هذا الذي يسخر، إذا جاءته المصيبة الكبيرة يقول: يا الله!
قد حدثتكم عن رجل جلس في طائرة إلى جنب رجل، يتناقشان، فإذا بالثاني ينكر وجود الله سبحانه وتعالى، فلما توقف أحد محركات الطائرة، ومرت فوق جيب هوائي، وانخفضت فجأة، قال صاحبنا: رأيت هذا الذي كان ينكر وجود الله قبل قليل يقول: يا الله، يا الله، يا الله.