وجد بعض الأنصار على سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام في أنفسهم، فجاء زعيمهم سعد بن عبادة وقال: يا رسول الله إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم، لأنك لم تعطهم من الغنائم في حنين. قال: يا سعد أين أنت منهم؟ قال: ما أنا إلا من قومي، قال: اجمع لي قومك فجمعهم، فقال: يا معشر الأنصار جدةٌ وجدتموها علي في أنفسكم، من أجل لعاعةٍ تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار أما إنكم ـ سيدنا رسول الله في أعلى درجات قوته، دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، وكلمته نافذة، وتحت إمرته عشرة آلاف سيف، فئةٌ من أصحابه وجدوا عليه في أنفسهم، وكان بإمكانه كما يفعل البعض أن يلغي وجودهم، أو أن يهدر كرامتهم، أو يهملهم، أو يعاتبهم بصالحهم، ماذا فعل؟ جمعهم وقال ـ أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذبًا فصدقناك، وطريدًا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك، يا معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي ـ لم يقل فهديتكم قال فهداكم الله بي ـ وعالةً فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، يا معشر الأنصار أوجدتم علي في لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟". فبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم. وقال: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، ولو سلك الأنصار شعبًا وسلك الناس شعبًا لسلكت شعب الأنصار."
هذا الموقف فيه رحمة، وفيه عفو، ومسامحة، وذكاء، وسياسة، وامتصاص نقمة. وكنت أقول دائمًا: كان الله في عون كُتَّاب السيرة، هذه القصة أين مكانها؟ مع رحمته، أم مع عدله، أم مع وفائه، أم مع تسامحه، أم مع حسن سياسته؟! هذه صبغة الله.