النبي عليه الصلاة والسلام عاش هذا العمر، ما من كلمة نطق بها، وما من تصرف، وما من سكوت إلا كان له به هدف، حتى إن سكوته تشريع اللهم صلِّ عليه، إذًا نطقه تصرفاته سكوته كله خير ونفع وبر.
عرَّف علماء الحديث الشريف بأنه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره، فمثلًا: لو أنه نظر إلى صحابي يفعل شيئًا، وسكت فسكوته تشريع، لأنه إذا سكت فمعنى ذلك أنه أقره على هذا العمل.
امرأة من خلف الستار كانت تمدح زوجها المتوفى في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، فَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟ قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا ) )
[البخاري]
ما سكت عليه الصلاة والسلام، ولو سكت لكان قولها صحيحًا.
إذًا: هذا النبي الكريم أقواله أفعاله سكوته تصرفاته كلها كانت تشريعًا، جاء إلى الحياة وغادرها، وما أخذ منها شيئًا، لأن الدنيا جيفة طلابها كلابها، والدنيا دار من لا درا له، ولها يسعى من لا عقل له.