حدثني أخ عن بيروت أيام الحوادث أن شخصًا توفي في بيته، والطرقات كلها مقطوعة، والقنص على أشده، والحركة واقفة، تحمّله أهله يومين، ثم ألقوه من الشرفة إلى الأرض، أب يملأ البيت أنسًا وسعادة، فلما سحبت منه الروح، ماذا فعل أقرب الناس إليه من زوجته وأولاده؟ قرروا أن يلقوه من الطابق الرابع، هكذا على الأرض، لأن الطرق مقطوعة، لم يتحملوا رائحته بعد الموت.
{يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}
(سورة الانفطار)
{صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}
(سورة النمل 88)
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}
هذه الروح من أوجه التفسيرات أنها هي الحياة، الله سبحانه وتعالى نفخ فينا من روحه، أما كلمة (من روحي) فهذا تكريم للإنسان، وتشريف له، واصطفاء له، نسب الروح لذاته.
{فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي}
هو مكرم، لقد قبِل أن يحمل الأمانة، قال تعالى:
{إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}
(سورة الأحزاب)
فلما حملها الإنسان استحق أن يكون مكرمًا.
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}
(سورة الإسراء)
أنت مكرم، ليتك تعرف نفسك، ليتك تعرف شأنك عند الله، ليتك تعرف المهمة التي خلقت من أجلها، ليتك تعرف أنك ابن عمرٍ، فكيف تمضيه؟ وليتك تعرف طريقة لتمضي بها هذا العمر، وأن هذا الوقت وهو عمرك سيحدد مصيرك، إما إلى جنة يدوم نعيمها، أو إلى نار محرقة تنضج الجلود، وتلفح الوجوه، لا ينفد عذابها، ليتك تعرف من أنت؟