{إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ}
(سورة البروج)
{وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}
من الذين قالوا هذا؟ كفار قريش، زعماء الشرك، علية القوم، الملأ من قريش، أصحاب الحول والطول، الأغنياء المترفون، هؤلاء قالوا تهكمًا واستهزاءً، واستخفافًا: إنك تزعم أنه نزل عليك الذكر، هذا بزعمك، بل إنك لمجنون، يبدو أنهم غارقون في ملذاتهم، في حفلاتهم، في حياتهم الدنيا، غارقون في مآكلهم، ولبس أجمل الثياب، يأكلون الربا، ويفعلون الموبقات، نظروا إلى هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فوجدوه عازفًا عن الدنيا، بعيدًا عن شهواتها، مترفعًا عن حطامها، وجدوه حسب قيمهم الزائفة أنه مجنون.
لذلك مرَّ في بعض الأحاديث في الجامع الصغير قوله صلى الله عليه وسلم:
(( اطلعت على أهل الجنة فوجدت عامة أهلها من البله ) ).
[البزار، والسيوطي في الجامع الصغير]
قد يقع الإنسان في حيرة، كيف يكون المؤمن أبلهَ، وهو الكيس الفطن الحذر؟ لا بدّ أن يكون أبلهَ في نظر الناس، إذا أتيح لإنسان أن يأخذ مليونًا من الليرات بحركة بسيطة، بملاحظة يكتبها، بغض بصر يغضه عن مخالفة ما، فإذا ترفع، ورفض، ورضي بدخله اليسير مؤثرًا هذا الدخل اليسير على هذا المال الوفير، لأنه من حرام، إن هذا الإنسان الورع النزيه ذا القيم، ذا المبادئ، يتهم في نظر زملائه ومن حوله بأنه مجنون أو أبله، نعم إنه أبله في نظر البله، ويا حبذا أن يكون المؤمن أبله في نظر أهل الدنيا.
هذا هو المعنى: هم غارقون في دنياهم الرخيصة، ونظروا إلى هذا النبي النظيف العفيف، الطاهر الحامد، المحمود، نظروا إليه نظرة شهوانية، نظرة منطلقة من قيمهم الأرضية، من خلودهم إلى الدنيا، فقالوا:
{وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}