[ورد في الأثر]
راءه
إذًا: ليس في بيته كلِّه إلا وسادةٌ واحدة، فلمَّا جلس عليها ضيفه جلس هو على الأرض، فهل للدنيا شأنٌ عند الله؟ لو أن لها شأنًا لأعطاها لحبيبه، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمدًا أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا.
دخل عليه عمر رضي الله عنه فرآه نائمًا على الحصير، وقد أثَّر الحصير في خدِّه الشريف، فبكى عمر، قال:
(( ... وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ) )
[البخاري عن ابن عباس]
أما ترضون أيها الإخوة أن تكونوا في الآخرة من السعداء؟ أن تكونوا في الحياة الأبديَّة في الجنَّة؟ أن تكونوا في مَرْضاةِ الله عزَّ وجل، أن تكونوا في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؟ أن تكونوا في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه؟ أن تتمتَّعوا برؤية الله سبحانه وتعالى .."ينظر المؤمن إلى الله عزَّ وجل نظرةً يغيب بها خمسين ألف عامٍ من نشوة النظرة"
(( أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ ) )
[أحمد عن أنس]
أما ترضى أن يكون الله راضيًا عنك؟ أما ترضى أن يكون نصيبك في الدنيا معرفة الله عزَّ وجل؟ أن تكون مستقيمًا؟ ما لك تتمنَّى ما عند الناس؟
{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ}
(سورة النساء: من الآية 32)