أيها الأخوة، الدين في أصله وفي جوهره استسلامٌ لله عزَّ وجل وخضوع، ولكن هذا الخضوع لمن؟ للخالق، الخضوع للقوي، الخضوع للعليم، للرحيم، للعدل، للخبير، للطيف، وهذا الذي يخضع لغير الله إنسانٌ أحمق، لأنه يخضع لضعيف، وخسيس، ولئيم، وعاجز، وجاهل، وأصل الدين أن تخضع لله، بل إن العبادة في أصلها غاية الإذعان مع غاية الحب، ولا يليق بالإنسان أن يخضع لغير الله، ولا أن يُحسَب على غير الله، ولا أن يستسلم لغير الله، لأن الإنسان خُلِق لله، فأنت في الأصل مخلوق لله عزَّ وجل، وإذا صحَّ أن نقول: إن الماء للتراب، والتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ هو لله عزَّ وجل.
(( خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ) )
[من شرح الجامع الصغير عن ابن مسعود]
من جهل حقيقة إنسانيّته ورسالته وسرّ وجوده فقد احتقر نفسه:
حينما يكون الإنسان لغير الله يحتقر إنسانيَّته، ويحتقر هويَّته، والمقام الرفيع الذي أحلَّه الله به:
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}
(سورة الإسراء) .
يخاطب الله عباده بنسبة تشريفٍ له:
{قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ}
(سورة الزمر)
وقال:
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) }
(سورة الحجر)
رفع الله جلَّ جلاله من قدر الإنسان إلى أعلى مكان، فحينما يجهل الإنسان حقيقة إنسانيّته، وحقيقة رسالته، وحقيقة سرّ وجوده فإنما يحتقر نفسه:
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) }
الإسلام أن تستسلم للمطلق:
أيها الأخوة الكرام:
{إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ (131) }