كلام دقيق يا أخوان، خلقك الله عزَّ وجل لتكون له، لتكون عزيزًا، وكريمًا، وطاهرًا، وفي جنةٍ عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأنت أردت أن تكون أداةً قذرةً طَيِّعَةً بيد جهةٍ منحرفةٍ، قد توقع الأذى بالناس وليس لك مصلحة إلا تنفيذ رغبة إنسان، فهل هذا ممكن؟ قد يكون في عملك إيقاع الأذى بالآخرين، ولكن المؤمن محسوبٌ على الله. يقول لك البعض: نعيش لنأكل، وفي كلام أرقى: نأكل لنعيش، وفي أرقى: نعيش لنعرف الله، ونحيا لنعرفه، ونسمو إليه، ونسعد بقربه، لندخل جنَّته، فالإنسان حينما يرضى أن يكون لغير الله فقد احتقر نفسه.
ضربت مثلًا سابقًا: لدينا قطرميز بلور كبير، ثمنه عشرون ليرة، وكأس كريستال، ثمنها ألف ليرة، وجوهرة ثمينة، ثمنها مئة وخمسون مليون دولار وقلنا لإنسان: اختر واحدة. فاختار أكبر شيء وأخذه، فهو جاهل ومحتقر لذاته، فالذي اختار القطرميز وترك التي ثمنها مئة وخمسون مليون دولار محتقر لنفسه:
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130) }
إذا قبلت العرض أن تكون بالجنة، وتكون مع الله عزَّ وجل:
{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}
(سورة مريم)
فليس ودًا مع شخص عادي جدًا، لا، مع خالق الكون، هو أكبر بكثير، وأنت في الجنة، فإذا رفض الإنسان عرض الإله أن يكون في الجنة، وأن تكون له، واختار أن تكون لغيره، وأن يكون أداة قذرة بيد إنسان منحرف فهذا منتهى الحقارة في الإنسان:
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) }
لعطائنا، في الدنيا اصطفيناه، وفي الآخرين من الصالحين لعطائنا.
والحمد لله رب العالمين