حدثني عن نفسه، ولو عرف الله حق المعرفة لفني في ذات الله، ولرأى نفسه أحقر من أن يتحدث عنها، من أنا؟ هذا الكون العظيم الذي ينبئ عن خالقٍ عظيم، من أنا حتى أتحدث عن نفسي؟ عبدٌ ضعيف، فنقطة دمٍ إذا تجمدت في أحد شرايين المخ شللٌ، عمًى، صمم، جنون، أية عظمةٍ لهذا الإنسان، أوله نطفة وآخره جيفة، أية عظمة؟ كنت قبل أيام أُشَيِّع جنازةً، وقد وضع الميت في قبر قريبه الذي مضى على وفاته ثمانية أعوام، لم نجد في القبر إلا بعض العظام، أي عظمةٍ كانت لهذا الميِّت، كان ملء السمع والبصر، كان غنيًا، كان مُتْرِفًَا، كان الناس يتقرَّبون إليه، بضع عظماٍ ملقاةٌ في قبر، علامَ الافتخار؟
أيها الإخوة الأكارم، طوبى لمن ذكر المبتدى والمنتهى، هذا الذي ذكر مبتداه نطفةٌ تخرج من عورةٍ إلى عورة وتخرج من عورة، من ماءٍ مهين، وهذا الذي نظر إلى أخراه فرأى نفسه عِظامًا نخرة في قبرٍ من قبور الشام، من أنت؟ لذلك حالة الفناء التي وصفها الصوفيون تعني أنك تستحيي أن تقول: أنا وأنا، قالها الشيطان فأهلكه الله، قال:
{أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}
(سورة ص: من الآية 76)
{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ}
اللعنة هي البعد عن الله سبحانه وتعالى، وما من شيٍ أثمن من القرب من الله سبحانه وتعالى، وما من شيءٍ أشقى للإنسان من أن يكون ملعونًا، فهذه الكلمة: لعن الله فلانًا، فلان ملعون، هذه الكلمة تدور على الألسنة، ولو عرف الإنسان معناها، معناها أنه مطرودٌ من رحمة الله، أنه بعيدٌ عن تجلي الله ..
{أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ}
هذا الإنسان إذا عرف ما عند الله من نعيمٍ مقيم، وكان مطرودًا عن هذه الرحمة فهذا هو الشقاء بعينه.
قال فرعون للسحرة:
{قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}