من عاش في البادية فقد جفا، ومن عاش في القرية فالقرية أكثر تحضرًا، وقد يوجد فيها عالم أو مجلس علمٍ، لذلك يفضل أن يسكن الإنسان في التجمعات السكانية، لا يسكن الإنسان وحده، لأن الإنسان إذا سكن وحده ماذا يستفيد؟ لا ينفع ولا يضر، ولا يرتقي، ولا يزداد علمًا، ولا يزداد عملًا ولا قربًا من أهل القرى، قال تعالى:
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ}
بعض الناس يتوهمون أن هذه الآية تعني أن الرسل يئسوا من الله عز وجل، هذا مستحيل، قال تعالى:
{وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}
يستحيل على الأنبياء والرسل أن ييأسوا من الله عز وجل، لكنّ يأسهم من قومهم، يأسوا من قومهم، دعوهم ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، صباحًا ومساءً، في الرخاء والشدة، قال تعالى:
{وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا}
(سورة الإسراء)
فلذلك هنا اليأس من هداية الناس، قال تعالى:
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا}
وقال بعضهم: ليس النبي أكثر الناس يأسًا من هداية بعض الناس، ولكنه آخرهم يأسًا، ليس أكثرهم بل آخرهم، ومعنى آخرهم، أي قلما ييأس، والدليل ما بعد هذه الآية قوله تعالى:
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا}
أي كُذبوا، ولم يؤمن بهم أحد عندها جاءهم نصرنا.