الحقيقة أن المكر لا يتم إلا في اجتماعات مغلقة، والإنسان إذا أراد أن يمكر، أو أن يدبر، أو أن يخطط، أو أن يبحث، فلا بد من اجتماع مغلق، فإخوة يوسف اجتمعوا فيما بينهم، ومكروا بيوسف، ثم اجتمعوا فيما بينهم، ومكروا بأبيهم، قال تعالى:
{قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ}
وإخوة يوسف اجتمعوا بعد أن حُجِز أخوهم الصغير، واتفقوا فيما بينهم، وامرأة العزيز مكرت بيوسف، والنسوة في المدينة تحدثن عن امرأة العزيز، امرأة العزيز جمعت النسوة، كأن في هذه القصة حلقات كثيرة من التدبيرات أو من المكر، سيدنا يوسف دبر تدبيرًا كي يحجز أخاه عنده، فجعل صواع الملك في رحله، فربنا عز وجل كأنه حينما قال:
{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ}
أبرز ما في هذه القصة حلقات عديدة من المكر والتدبير، إن كانت لصالح بعضهم أو كانت لغير صالح بعضهم، على كلٍ حلقات عديدة من المكر، لذلك جاءت هذه الكلمة لتعبر عن أبرز أحداث القصة وهو المكر.
قال تعالى:
{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ}
لا في زمانك ولا في مكانك، الأرض ليست أرضك، والوقت ليس وقتك، ومع ذلك تأتيهم بقصة دقيقة متطابقة مع ما في كتبهم من التوراة والإنجيل، إذًا: أنت نبي، إذًا: هذه القصة دليل على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رسالته، فكل رسول نبي، والعكس غير صحيح.
شيء آخر، العلماء قالوا: ليس القصد نفي حضوره بل إثبات نبوته، كلمة:
{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ}
هذه متكررة، هذا المعنى جاء في القرآن خمس مرات، قال تعالى:
{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}
(سورة القصص: 46)
قال تعالى: