تولى يوسف عليه السلام وزارة التموين إن صح التعبير، وجاءت سبع سنوات خيِّرات، فغلَّت الأرض غلات لم تكن في الحسبان، وتولى هذا النبي الكريم الحفيظ العليم تخزين هذه الغلات لسبع سنوات أخريات عجاف، وجاءت السنوات العجاف، وعمّ القحط بلاد مصر والشام، وضاقت المكاسب بأهلها، فتوجه أبناء الشام في أرض كنعان إلى مصر ليشتروا القوت و القمح، كل هذا الكلام نُقل بين آيتين، وجاء إخوة يوسف؛ أرسلهم أبوهم ليشتروا القمح من مصر، جاءوا مصر فدخلوا عليه - والفاء تفيد الترتيب على التعقيب - بينما ثم تفيد الترتيب على التراخي، وفي هذه الآية إشارة إلى أن هذا النبي الكريم، وذلك الحفيظ العليم كانت أموره ميسرة، فليس على أبوابه حجّاب يمنعون الناس من الوصول إليه، ما إن جاءوا مصر حتى دخلوا عليه، قال تعالى:
{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ}
قد يقول قائل: لقد عرف أنهم إخوته فأمر بإدخالهم قبل غيرهم، الجواب: فدخلوا عليه فعرفهم، عرفهم بعد أن دخلوا عليه، جاء إخوة يوسف كمواطنين عاديين فدخلوا عليه، مَنْ توِّهم بعد أن دخلوا عليه عرفهم، ومِنْ استخدام هاتين الفاءين إشارة إلى أنّ هذا النبي الكريم كان بابه مفتوحًا للناس كلهم، أي إنسان يستطيع أن يصل إليه من دون تعقيد:
{وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ}
كيف عرفهم؟ لأنه حينما كان صغيرًا كانوا هم قد اكتملت بنيتهم، واتضحت معالمهم فصورتهم هي هيَ، لكنه كان صغيرًا، كَبُرَ، وصار عزيز مصر، فاختلفت ملامحه من سن إلى سن، هم لم يعرفوه لكنه عرفهم، لم يعرفوه لأنهم تركوه في غيابة الجب، وتوقعوا أنه قد مات، أو أنه قد أخذه بعض السيارة فباعوه عبدًا رقيقًا، أما أن يكون هذا الذي تركوه في غيابة الجب عزيز مصر فهذا لم يكن في حسبانهم، حينما جاءوا مصر من بلاد الشام دخلوا عليه مباشرة فعرفهم بعد أن دخلوا عليه: