فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام هذا القول؟ العلماء حللوا هذا القول، أي هذا الذي فعله يوسف شيء يطيقه نبي، لكن عامة المؤمنين، لو كان الإنسان في سجن، وأمضى به سنوات عديدة، وجاءه أمر إطلاق سراحه، وكان مظلومًا، لو قال: أنا لا أخرج حتى تظهر براءتي، فهناك احتمال كبير أن يقول من بيده الأمر: دعوه إذًا، فكأن النبي عليه الصلاة و السلام أراد أن يخفف عن أمته، قد لا يستطيع المؤمن العادي أن يرفض الخروج من السجن، فقال عليه الصلاة و السلام انطلاقًا من قوله الكريم:
(( سيروا بسير أضعفكم ) )
ورد في الأثر
(( وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جَاءَنِي الرَّسُولُ أَجَبْتُ ) )
ابن ماجه عن أبي هريرة
عندنا رخص، وعندنا عزائم، سيدنا يوسف نبي، سمعته كنبي أغلى عليه من إطلاق سراحه، لكن لو أنه إنسان ضعيف، و دخل السجن ظلمًا، و جاءه أمر إطلاق سراحه قد لا يكلفه أن يرفض الخروج حتى تظهر براءته، لذلك جاء النبي عليه الصلاة و السلام وغطى هذه الناحية، وأعطى لأتباعه من بعده سماحًا أن يخرجوا إذا ضاق بهم السجن، و ضاق عليهم الأمر، قال تعالى:
{قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتْ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ}
يستنبط من هذا القول أنها تابت.
{وَإِنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ}
ذلك ليعلم أي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب، أي حينما قلت للعزيز سيدي:
{مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا}
أنا افتريت على يوسف، ألصقت به تهمة الخيانة، إنما فعلت هذا ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب:
{ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ}