{قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ}
منتهى الوقاحة أن تعلن عن شغفها، وعن غريزتها، وعن حاجتها إليه أمام نسوة من علية القوم، قال تعالى:
{وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ}
وهذه أول براءة له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فاستعصم، لا كما يقول بعض المفسرين: ولقد همّ بها، أي بلغ منها مبلغ الرجال، لا، هو همّ بدفعها، أو همّ بالهروب منها، أو همّ بضربها، على قول بعض المفسرين، لأن عملها كان في منتهى الوقاحة، قال تعالى:
{وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}
لا زالت مصرة على أن تراوده عن نفسه مرة ثانية، لا زالت مصرة على أنها لابد من أن تصل إليه إما بالحسنى، وإما عن طريق السَجن والتعذيب، قال تعالى:
{وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}
لم يقل الله عز وجل: مما تدعوني إليه، كان مع واحدة فصار مع المجموع، في بعض التفسيرات أنّ كل من حضر هذا الحفل البهيج بدأ يقنعه على حدة أن يستجيب لنزوتها، لنزوة امرأة العزيز، كان مع واحدة، فصار مع المجموع.
{قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}
هنا نقف قليلًا، إذا أُمرت بمعصية أين أنت من هذا النبي الكريم، هل تقول: لا أستطيع يا أخي؟ ما تمكنت، أمرتُ بهذا، أم تقول:
{رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ}