هناك أقوال كثيرة، ولكنّ المضمون واحد، حينما بلغ هذا النبي الكريم سن الرشد، وأوج شبابه وقوته وفتوته عندئذ جاء الابتلاء.
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
هناك شيء، آخر بالمناسبة، فإنّ علماء النفس يفرقون بين أعمار الإنسان، هناك عُمرٌ زمني، افتح بطاقتك الشخصية، واطرح سنة الولادة من السنة الحالية تحصل على رقم هو عمرك الزمني، وقال معظم العلماء: إنّه أتفه أعمار الإنسان لماذا؟ هناك عُمر عقلي، قد ترى إنسانًا ناضجًا، تصرفاته حكيمة، فهذا العمر العقلي أخطر من عمر الإنسان الزمني، وهناك عمر انفعالي، انفعالاته منضبطة، متوازن، لا ينهار بسرعة، هذا عمر انفعالي، وهناك عمر اجتماعي، علاقاته الاجتماعية جيدة جدًا، الناس جميعًا يحبونه، هذا عمر اجتماعي، وهناك عمر تحصيلي، أي تناسب عمره الزمني مع صفه الدراسي، وكما قلت قبل قليل: العمر الزمني أتفه هذه الأعمار كلها، لأنّ العالِمَ شيخٌ ولو كان حدثًا، والجاهل حَدَثٌ صغير ولو كان شيخًا، على كل في هذه الآية إشارة إلى أنّ هناك فرقًا بين بلوغ الأشد وبين النبل العقلي، قال تعالى:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
بلغ أشده تنصرف إلى القوة العضلية، إلى فتوته، إلى شبابه، أما استوى إلى نضجه الانفعالي، ونضجه العقلي، ونضجه الاجتماعي، وما إلى ذلك، قال تعالى:
{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}
أما كلمة الحُكم فتعني أشياء كثيرة، إنها تعني من جملة ما تعنيه أن الله سبحانه وتعالى مكنه في الأرض، جعله الوزير الأول عند الملك، جعله حاكم مصر، هذا المعنى الأول، ولكنه لن يصل إلى هذا المنصب إلا بعد أن كان عالمًا.