سيدنا يونس دخل بطن الحوت، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة البحر الموحش، وفي ظلمة الليل، هات مصيبة أشد من هذه المصيبة، لم يبق أمل هنا، وبعض المصائب فيها أمل، كمن احترق محله، لا يزال هناك أمل بأن يشتري غيره، ويعيد تأسيسه، توفيت زوجته فيتزوج غيرها، مات ابنه يستطيع إنجاب غيره، معه مرض السكري يتعايش معه، صار معه مرض فبترت يده لا يزال هناك واحدة أخرى، ويُرَكِّب يدا أخرى اصطناعية، لكن دخل بطن الحوت في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، هنا البطولة، قال تعالى:
{فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
(سورة الأنبياء)
هذه الآية لنا جميعًا، الفقرة الأخيرة قلبت القصة قانونًا، قال تعالى:
{وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}
(سورة الأنبياء)
لا تخلو حياتنا من مشكلات، من أزمات وشبح مصيبة، من مرض لم يكن متوقعًا، قل: يا ربِ إنّي كنت من الظالمين، تبت إليك.
فلنعد إلى قصتنا، قال تعالى:
{وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً}
واردهم هو الرجل المكلف بجلب الماء لهم، من ورود الماء أي ذهب إليه، قال تعالى:
{فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ}
ألا يجب أن يقول الله عز وجل: فلما رفع الدلو، هذا شيء بديهي، العرب تقول: كل كلام تفهمه إذا لم يذكر يجب ألا يذكر، فالبلاغة في الإيجاز، ولولا الحذف والتقدير لفهم كلام العرب الحمير، هكذا قالوا، هناك حذف دقيق، قال تعالى:
{وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ}