{فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا}
لابد من أن تكبر، لابد من أن تنجو من هذه الورطة، الله سبحانه وتعالى طمأنه، لابد من أن تنجو من هذا المكان، ولابد من أن تكبر، ولابد من أن تنبئهم بفعلتهم هذه وهم لا يشعرون، قد يقابلونك وهم في أمَسِّ الحاجة إليك، ولا يعرفونك أنك يوسف، وقد تفاجئهم بفعلتهم الشنيعة، ولا يشعرون بهذا:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}
وهم لا يشعرون أن الله معه، وهم لا يشعرون أن العاقبة لأخيهم الصغير الذي كان أقربهم إلى الله عز وجل، قال تعالى:
{وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ}
أولًا: بكاؤهم كذب، فيا أيها القضاة لا تصدقوا متهمًا أنه بريء إذا بدأ يبكي، فالبكاء قد يكون سلاحًا من أسلحة الكذب.
{وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ}
وضعوه في الجب، وكانوا قد أرادوا قتله، ومع ذلك جاءوا يبكون، هذا أول استنباط.
الاستنباط الثاني: جاءوا عشاءً، ليلًا، والليل أستر لحالهم، أستر لملامح وجوههم، أستر لفعلتهم الشنيعة، قال تعالى:
{وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}
قالوا: هذا دم يوسف، قال تعالى:
{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}
يكاد المذنب أن يقول: خذوني، والكاذب يختل توازنه، عرفوا أنهم كاذبون، لذلك أشعروا أباهم بأنهم كاذبون حينما قالوا:
{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا}