عندنا شيء آخر، ليس في لغات الأرض كلها من دون استثناء أمة يقرأ طلابها شعرًا قيل قبل ألف وخمسمائة عام إطلاقًا، طلابنا في الصف العاشر يقرؤون شعر امرئ القيس، وقد قيل قبل ألف وخمسمائة عام، أما الإنكليز فشكسبير شاعرهم الشهير توفي في القرن السادس عشر، ولا يستطيع إنسان بريطاني واحد أن يقرأ شعر شكسبير كما كتبه، شعر شكسبير مترجم من اللغة الإنكليزية القديمة إلى اللغة الإنكليزية الحديثة، أما أن يقرأ طلابنا شعرًا قيل قبل ألف وخمسمائة عام فهذا ثبات في اللغة العربية، ثبات أصواتها، ثبات كلماتها، ثبات قواعدها:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}
ترادف اللغة العربية ظاهرة فريدة، مثلًا: تقول نظر إلى الشيء معروف، معلوم عندكم معنى هذا الفعل، لكن عندنا فعل رأى، رأى تشمل النظر بالعين ورؤية القلب، عندنا فعل حدّج أي نظر مع المحبة، قال عليه الصلاة والسلام:
(( حدِّث القوم ما حدّجوك بأبصارهم ) )
ورد في الأثر
حدّج أي نظر مع المحبة، رنا نظر مع الاستمتاع، نظرت إلى البحر تقول: رنوت إليه، شخَص نظر مع الخوف، قال تعالى:
{فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا}
(سورة الأنبياء: 97)
نظر شزرًا مع الاحتقار، استشف نظر مع اللمس، استشرف نظر مع التمطي، حدّج نظر مع المحبة، بحلق اتسعت حدقة العين، حملق ظهر حملاق عينه، هناك حملق وبحلق وحدّق وحدّج، ونظر شزرًا، وشخَّص، واستشف، واستشرف، ونظر، ورأى ورنا، كل فعل يعني حالة خاصة من حالات النظر، قال تعالى:
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}