إلا أنَّ علماء البلاغة لفتوا النَّظَر إلى شيء بليغ في هذه الآية؛ لو فرضنا طالبًا مقصِّرًا وقف المدير مع المعلِّم، فيقول له: أما هذا الطالب فسوف نفْصِلُه عن المدرسة، الحديث يدور بين المدير والمعلّم على مَسْمَعٍ من الطالب لِقِلَّة شأن الطالب غفلنا عنه، ولم نوجِّه الحديث له، فالحديث يدور بين المدير والمعلِّم، وهذا أُسلوب فيه تأثير بليغ، أيْ أنت بهذا الذَّنْب لا شأْنَ لك عندنا، ولن تسْتحقّ أن نُوَجِّه لك الخِطاب، قال تعالى:
{فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}
أسلوب الحكيم في هذه الآية أنَّ الله يُخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، ويُحَدِّثهُ عن هؤلاء المشركين، قال تعالى:
{فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}
فكما أنَّ الأقوام السابقة كذَّبوا أنبياءهم فاسْتَحَقُّوا الهلاك، هؤلاء أيضًا سيُصيبُهم ما أصاب أسْلافهم، ولكن إدارة الحديث مع النبي عليه الصلاة والسلام دون توجيه الخِطاب إليهم؛ هذا لِهَوانهم على الله، وهذا أفْعلُ في نفوسهم، لو أنَّ القاضي الْتَفَت إلى مسْتشارِه عن يمينه، وتشاوَر معه فيما يُقَرِر من عقوبة بِحَقّ هذا المذنب والمذنب يستمِعُ؛ إنَّ مُشاوَرَة القاضي لِزَميلهِ على مَسْمَعٍ من المذنب أشدّ أثرًا في نفسه ممَّا لو توجَه له بالحُكْم، كذلك ربّنا عز وجل يُعلِمنا الأسلوب الحكيم.
قال تعالى:
{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}